طرفة بن العبد

مما لاشك فيه أن هذه القصائد الطوال لا يمكن أن تتم دفعة واحدة، بل يزاد فيها، وينقح ويحذف منها، وينقص والمناسبة الهامة لهذه القصيدة هي وصف ظلم أقاربه له، وهذا يتجلى في قوله:

وظلم ذوي القربى أشد مـضـاضة

 

على المرء من وقع الحسام المهند

وقال طرفة بن العبد بن سفيان بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة بن عكابة ابن صعب بن علي بن بكر بن وائل بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان.
شهر بالبكري الوائلي من بني بكر بن وائل ويكنى أبو عمرو.

لخولة أطلال بـبـرقة ثـهـمـد

 

تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد

[بروضة دعمي فأكنـاف حـائل

 

ظللت بها أبكي وأبكي إلى الغد]

ويروى

ظللت بها أبكي وأبكي إلى الغـد

 

غد ما غد ما أقرب اليوم من غد

ويروى ظللت بكسر اللام، وظلت بكسر الظاء، ولام واحدة ساكنة، ويروى أظلت، ويروى وقفت.
والبرقة أرض فيها طين ورمل وحجارة، ولا تكون برقة حتى ترتفع كالرابية، وتهمد بالمثلثة اسم موضع.

وقوفا بها صحبي على مطيهم

 

يقولون لا تهلك أسى وتجلد

وقوفا جمع واقف كجالس وجلوس، وهو نصب على الحال ومن روى تلوح، فالعامل فيه تلوح، تجلد أي كن جلدا.

كأن حدوج المالكـين غـدوة

 

خلايا سفين بالنواصف من دد

الحدوج مراكب النساء واحدها حدج والمالكية امرأة. يقال حداج وحداجة وحدجة بسهم، والخلية السفينة العظيمة [وخلايا جمع خلية].
 قال الأصمعي: الخلية من الإبل وهي العطوفة على ولدها، ولا تكون الخلية من السفن إلا ومعها قاربها، وهو زورق صغير تشبيها بالناقة، والنواصف هي الرحبة الواسعة تكون في الوادي، وجمعها رحاب، ورحبات ورحب والحدوج اسم كأن الخلايا خبرها، والباء في بالتواصف حالية ومن صلة النواصف ومعنى البيت حدوج المالكية غدوة بالنواصف من دد. مثل قوله: (فما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون)، والباء الثانية دخلت للجحد، والمعنى فذكر، فما أنت من هذه حالك، والغدوة موضعها نصب على الوقت وكان حقها أن تكون غير منونة لأنها لا تتصرف فأخطأ الشاعر لصرفها، وإنما صار حكمها لا تنصرف [والمالكية] نسبة إلى مالك بن سعد بن ضبيعة بن قيس.

عدولية أو من سفين ابـن يامـن

 

يجوز بها الملاح طورا ويهتدي

عدولية نعت سفين ينون منسوبة إلى جزيرة من جزائر البحر، يقال لها: عدولى وقال أبو عمرو الشيباني: منسوبة إلى قومه من هجر، أو سفين تاجر بالبحر منه، ويروى وطورا منصوب على أنه ظرف لأن معناه وقتا وحينا ومنه قوله تعالى (وخلقناكم أطوارا) أي في اختلاف المناظر.

يشق حباب الماء حيزومها بها

 

كما قسم الترب المفايل باليد

حباب الماء ما ارتفع فوقه من طريقه، وحيزومها: صدرها، والمفايل: الملاعب بالفيال، والمفايلة لعبة لصبيان العرب، وهو تراب يكومونه أو رمل ثم يخبؤون فيها خبيئا، ثم يشق المفايل تلك الكومة، كما الكاف في موضع وما في موضع خفض بالكاف وما بعدها صلة له، والترب مفعول به.

وفي الحي أحوى ينفض المرد شادن

 

مظاهر سمطي لؤلؤ وزبـرجـد

الأحوى الظبي له خطتان سوداوان في ظهره، ويقال خضراوان، والمرد ثمر الأراك وأرادها هنا سوادا مدامع عينيه، فشبه المرأة بالظبي والأحوى كناية عن [المرأة] ينفض المرد، أي يلعب لأنه قد شبع وطاب وأمن، والشادن الذي استغنى عن لبن أمه، يقال: شدن يشدن؛ إذا قوي واشتد، ويقال لأم الظبي مشدن. وقد شدن إذا قوي وتحرك، ويقال لأول حمل الأراك الكابه، ثم البريت، ثم المرد الطويل. وقوله: مظاهر سمطي لؤلؤ: لبس واحدا فوق واحد، ويجوز نصب مظاهر على الحال وهو من ينفض.

خذول تراعي ربربا بخـمـيلة

 

تناول أطراف البربر وترتدي

الخذول: الظبية التي قد خذلت الظباء، وأقامت على ولدها.
فإن قال قائل كيف قال: وفي الحي أحوى، ثم قال: خذول، والخذول نفس الأنثى قيل له: هذا إنما هو على سبيل التشبيه، كما تقول هي الشمس وهي القمر.
وقوله: تراعي ربرباً أي ترعاه، وأراد في الحي امرأة تشبه الغزال في طول عنقها، وحسنها، وتشبه البقرة في الحسن مع الربرب.
والربرب: القطيع من البقرة، والخميلة أرض ذات شجر، وقيل رملة ذات شجر والبرير: ثمير الأراك القصير، وترتدي إذا تناولت الثمر فقد وقفت الأغصان على منكبيها فذلك ارتداؤها.

وتبسم عن ألمى، كأن مـنـورا

 

تخلل حر الرمل دعص له ندي

أي عن ثغر ألمى فحذف واللمى سمرة تحمد في الشفة واللثة، النور: الأقحوان المزهر. أي إذا ابتسمت عن ثغر ألمى ثم أقام الصفة مقام الموصوف. تخلل أي توسط فيه لونا، وحر الرمل أحسنه فتنة، والدعص: الرمل يصيبه الندى، والندي نعت للدعص.

سقته إياه الشمس: إلا لثاته

 

أسف ولم تكدم عليه بإثمد

إياة الشمس ضوءها وشعاعها، والضمير في سقته للثمر، واللثاث مغارس الأسنان، ويقال إيا بغير هاء، وإياء بفتح الأولى والمد، وأسف: حثى عيه، لم يكدم أي لم ينهش عظما.

ووجه كأن الشمس حلت رداءها

 

عليه نقي اللون لـم يتـخـدد

أي ولها وجه، ويروى بعضهم ووجه بالجر عطفا على ألمى، أي وتبسم عن وجه، وحلت: ألقت، رداؤها: حسنها وبهجتها. نقي اللون: لم يخالطه قط اصفرار، والتخدد اضطراب الخد، واسترخاء اللحم، ومنه سمي الخد لاضطرابه عند الأكل.

وإني لأمضي الهم عند احتضاره

 

بعوجاء مرقال تروح وتغتدي

يقال مضى الشيء يمضي مضيا ومضاء، وأمضيته أنا أمضيه إمضاء إذا أذهبته عنك، والمضاء: السرعة.
يقول: إذا نزل بي الهم نفيته عني، وأمضيته بأن أرتحل على هذه الناقة العوجاء، وهي الضامرة التي قد لحق بطنها ظهرها، واعوج شخصها.
والمرقال: السريعة في سيرها خببا، ومرقال على التكثير كما تقول مذكار ومئناث.
 وقوله: بعوجاء ويقال للمذكر أعوج، وكان يجب أن يقال للأنثى أعوجة كما يؤنث بالهاء في غير هذا، إلا أن قولك أعوج وما أشبهه ضارع الفعل من وجهتين: إحداهما أنه صفة، والأخرى أن لفظه كلفظ الفعل فلو قلنا أعوجة وأحمرة لزالت إحدى الجهتين، فلهذا أتت بالهمزة فإن مخرجها مخرج لها وأزيلت الهمزة من ألوه؛ لأنهم لو تركوها على حالها لكان في وزن أحمرة، وأما زيادتهم الألف قبل الهمزة ففيه قولان: أحدهما أن هاء التأنيث يكون ما قبلها مفتوحا، والهمزة تختلف وما قبلها فجاءوا بالألف عوضا عن الفتحة، والقول الآخر: إنهم أرادوا أن يخالفوا بينها وبين الهاء فزادوا حرفين ولم يزيدوا واحدا فيكون بمنزلة الهاء.

أمون كألواح الإران نسأتهـا

 

على لاحب كأنه ظهر برجد

الأمون: الناقة الموثقة الخلق التي يؤمن عياؤها وعثارها، والإران: التابوت كانوا يحملون فيه ساداتهم وكبراءهم دون غيرهم.
ونسأتها: ضربتها بالمنسأة. ويروى نصأتها: قدمتها ونسأتها: أخرتها. واللاحب: الطريق منقاد. ويقال مر فلان يلحب إذا مر مرا سريعا.
واللاحب: البين المؤثر فيه، فإن قيل كان يجب أن يقال ملحوب، قلنا يجوز أن يكون مثل [قوله تعالى]: (من ماء دافق).
ومعناه ماء مدفوق أي ذي دفق، ويجوز أن يكون لاحب على أنه كان يلحب أخفاف الإبل أي يؤثر فيها؛ والها[ء] في كأنه تعود على الطريق كأنه قال على طريق لاحب، وشبه الطرائق التي في الطريق بطرائق برجد وهو كساء من صوف أحمر.
وقال الأصمعي: كساء مخطط فيه خطوط حمر وغيره.
تباري عتاقا ناجيات وأتبعت=وظيفا وظيفا فوق مور معبد تباري: تسارع، يقال يباريان في السير إذا فعل هذا شيئا وفعل هذا مثله والوظيف عظم الساق والذراع، أي أتبعت وظيف يدها وظيف رجلها ويستحب في الناقة أن تكون خرقاء اليد صناع الرجل، والمور الطريق يقال مار يمور مورا إذا دار. والمور بالضم التراب، والمعبد: المذلل يقال بعير معبد أي مكرم وهو من الأضداد. أرى المال عند الباخلين معبدا وموضع تباري في محل نصب على الحال من الهاء والألف أي مبارية عتاقا ويجوز أن يكون في موضع جر على الإتباع لأمون بما ليس في هذه الرواية.

جمالية وجناء تردي كأنهـا

 

سفتجة تبري لأزعر أربد

السفتجة: النعامة. والأزعر: القليل الشعر، والأربد: الذي لونه لون الرماد.

تربعت القفين بالشول ترتعي

 

حدائق مولي الأسرة أغيد

القف: ما غلظ من الأرض وارتفع، ولم يبلغ أن يكون حبلا، وهو تشبيه والجمع قفاف: والشول من النوق التي قد ارتفع ألبانها، والمولي الذي أصابه الولي من المطر وهو يحسن منه النبت، الأسرة الواحدة سرارة، وهو أكرم الوادي لأنه يقال فلان في سرقوقه أي صميمهم، وقوله بالشول أي في الشول وهي جمع شائلة وكأنها التي قد شال ضرعها، وهي التي قد أتى عليها من وقت نتاجها سبعة أشهر، شال الميزان يشول إذا ارتفع وقيل جمع شائل من شال البعير بذنبه إذا رفعه.

تريع إلى صوت المهيب وتتقـي

 

بذي خصل، روعات أكلف ملبد

االمهيب الذي يصبح بها: هوب هوب، وتريع ترجع إلى صوت الراعي إذا دعاها، وحذف مفعول تتقي ومعناه وتتقي الفحل بذنب خصل لأن الناقة إذا كانت حاملا اتقت الفحل بحركة فيعلم الفحل أنها حامل فلم يقربها.
الأكلف من صفات الفحل وهو الذي في لونه حمرة إلى السواد، والمبلد: الذي قد صار على وركه مثل اللبد من ثلطه، لأنه يضرب بذنبه من الهياج على ظهره، والروعات جمع روعة وهو الفزع ومن العرب من يقول روعات يفرق بين الاسم والصفة مثل جفنة وجفنات إلا أن الأحسن روعات بتسكين الواو لاستثقالهم الحركة فيها.

كأن جناحي مضرحي تكـنـفـا

 

حفافيه، شكا في العسيب بمسرد

شبه هلب ذنبها بجناحي مضرحي وهو [العتيق من النسور يضرب إلى بياض] من كبره، وحفافاه: جانباه، وتكتفا أي صار عن جانبيه عن يمين الذنب، وشماله.
شكا: غرزا وأدخلا فيهما، والعسيب: عظم الذنب، والمسرد: المخصف وهو الأشقى.

فطورا به خلف الزميل، وتارة

 

على حشف كالشن ذاو مجدد

 أي تارة ترفع ذنبها وتضرب به خلف الزميل، أي الرديف، ولا زميل، وإنما أراد موضع الزميل، ومرة يضرب به على ضرعها، وإنما سماه حشفاً متقبضاً لا لبن فيه، والشن القربة الخلقة، والذاوي الذابل الذي قد أخذ في اليبس، والمجدد: الذاهب وناقة جدود، وأتان جدود ذهب لبنها من غير بأس، وأصل الكلمة من قولهم، جددت الشيء إذا قطعته، فالجدود التي انقطع لبنها، والطور والتارة وقتان.

لها فخذان أكمل النخض فيهما

 

كأنهما بابا منيف مـمـرد

النخض: اللحم، يقال: نخض العظم، إذا ما عليه من النخض، وروى الطوسي [لها فخذان عولي النخض فيهما].
وعولي أي ظهر وكثر، منيف أي مشرف، ويقال: أناف الشيء ينيف إنافة، إذا علا وأشرف والإنافة العلو، والممرد قالوا هو المطول، فيكون على هذا من قولهم تمرد، إذا جاوز الحد في الشر، وقيل سمي الأمر أمرداً لأنه أملس الخدين أراد باب قصر منيف.

وطي محال كالحني خلوفه

 

وأجرنة لزت بدأي منضد

الطي: طي البير أي لها محال مطوية، المحال فقار الظهر (فقار) الواحدة محالة والحني: القسي، (واحدتها حنية ويجمع على الحنايا ويروى بضم الحاء وكسرها كما يقال عصي، وعصي). وخلوفه والخلوف أطراف الأضلاع الواحدة خلف، والجران باطن العنق منها والجمع [أجرنة] فيكون باطن الحلقوم، لزت: قرنت بعضها إلى بعض، فانضمت واشتدت، ودأي جمع دأية، وهي الفقار، وكل فقرة من فقار العنق والظهر دأية، يثول على ظهرها متراصف متدان بعضه من بعض، وذلك أشد لها، وأقوى من ألا تكون متدانيات.

كأن كناسي ضالة يكنفانـهـا

 

وأطر قسي تحت صلب مؤيد

الكناس أن تحفر الغيران في أصل الشجرة، كالسرب، يكنها من الحر والبرد، والجمع كناس وقد كنست تكنس، إذا استظلت في كنسها من الحر، وإنما [كان كناسا] لأنه يبتكره في الغداة في ظلها، وبالعشي في فنائها، والضال السدر البري الواحدة ضالة، يكتنفان هذه الناقة من جهة ما بين مرفقيها وزورها، وإنما أراد أن مرفقيها قد بانا عن إبطيها، فشبه الهواء الذي بينهما بكناسي ضالة، فليس لها حاز، ولا ناكت وكأن قسياً مأطورة تحت صلبها، يعني تحت ضلوعها.

لها مرفقان أفتلان كأنما

 

تمر بسلمي دالج متشدد

أفتلان واسعان منجرفان عن آباطهما، وتمر أي تقبل بضم التاء وكسر الميم، وفتح التاء وضم الميم، والسلم: الدلو العظيم. يقال: سلم وسجل كل مذكر عند الأصمعي، وزعم الفراء أنها مؤنثة، يقال: دلو لاوذة. ويقال: السلم له عروة واحدة نحو دلو السقائين. والدالج الذي يمشي بين الحوض والبئر ويقال: هما مفتولان، كأنهما سلمان بيدي دالج، فهو يجافيهما عن ثيابه والرواية الجيدة تمر بفتح التاء، والكسر كأنما تمر سلمي فزاد الباء أراد بها بأن مرفقيها تباعد زورها كما يتباعد عضد الدالج عن زوره.

كقنطرة الرومي، أقسم ربها

 

لتكتنفن حتى تشاد بقرمـد

القنطرة: الأرج، والقسم: الحلف، والرب المالك، لتكتنفن: ليحاطن بها. وتشاد بالشيد وترفع والشيد هو الجص والقرمد الآجر، الواحدة القرمدة فارسي معرب. وقصد بناء الروم لإحكامه. وقوله: لتكتنفن أقسم بالنون الخفيفة والوقف عليها بالألف عوضا عن التنوين، ولا عوض منها إذا كان قبلها ضمة أو كسرة؛ لأنهم شبهوها بالتنوين في الأسماء، لأنك تعوض منه في موضع النصب ولا تعوض في موضع الرفع والجر. أو لأن النون تحذف في الأفعال لالتقاء الساكنين والتنوين في الأسماء، فالاختيار فيه التحريك، لأن ما يدخل في الأسماء أقوى مما يدخل في الأفعال يقول بأن هذه الناقة كالأرج لانتفاخ جوفها.

صهابية العثنون، موجدة القرا

 

بعيدة وخد الرجل موارة اليد

موارة اليد: أي كتفاها يتبعان يديها، في سهولة يريد أنها خرقاء اليد.

أمرت يداها، فتل شزر وأجنحت

 

لها عضداها في شقيف مسند

أمرت: فتلت، والشزر: الفتل الذي يقال له الدبير، ومنها يقال فلان ينظر إليك الدبير، وانتصب الفتل لأنه نعت لمصدر محذوف كأنه قال أمرت يداها إمرارا مثل فتل شزر، وأجنحت أي أميلت عن الزور إلى خارج كأن ظهرها صفائح صفحن لا يؤثر فيه شيء، والشقيف فضاء زورها وأصل الشقيف صفائح من حجارة، وقوله: مسند: أسند بعضها إلى بعض.

جنوح، دقاق، عندل ثم أفرغت

 

لها كتفاها في معال مصعد

 [دفاق أي سرعة، عندل ضخمة الرأس] أفرغت: وقيل أشرفت، عوليت. في معال: مع معال، مصعد: يعني صاعد.

كأن علوب النسع فـي دأياتـهـا

 

موارد من خلقاء في ظهر قردد

لأن العلوب الآثار واحدها علب، والنسع: حبل مضفور من أدم، والدأيات: منتهى الأضلاع، قيل في الظهر، وقيل في الصدر، والموارد خطوط طرق المياه، والخلقاء الصخرة الملساء، والقردد الصلب من الأرض المستوي، وظهر القردد أعلاه. يقول: هذه العلوب في صدرها مثل الطرق في هذه الصخرة، وهذه النسوع لا تؤثر في هذه الناقة كما لا [تؤثر] الموارد في الصخرة الملساء، واستغنى بكثير الجمع عن قليله، وكان يجب أن يقال في أقل عدد، والجمع أنساع.

تلاقى وأحيانا تبين كأنـهـا

 

بنائق غر في قميص مقدد

تلاقي أحيانا، تجتمع وأحيانا تتفرق، يعني هذه الموارد يكون بعضها يلي بعضا، ويتصل بعضها ببعض، والبنائق جميع بنيقة كأنها دخاريص قميص، والغر: البيض، والمقدد: المشقق.
وقال أحمد بن عبيدة: تلاقى يعني الحبال والآثار، إذا انفكت إلى العرا التقت رؤوسها، وإذا ارتفعت إلى الرحل تباينت، وخص الدخاريص لدقة رؤوسها، وسعة أسافلها، فأراد أن الآثار مما يلي الحلق دقيقة وما يلي ذلك من الرحل الواسع، لأن الحلق تجمع الحبال فيدق الأثر.

وأتلع نهاض، إذا صعدت بـه

 

كسكان بوصي بدجلة مضعد

يعني بالأتلع عنقها، والأتلع المشرف، والأتلع الطويل العنق، ونهاض أي ينهض إليه، أي يرتفع إليه، ونهض الفرخ، وفارق عشه، وهي النواهض، وقيل النهاض أي ذو حركة، والأصل عنق أتلع فأقام الصفة مقام الموصوف، ومعنى صعدت به، أشخصه في السماء. والسكان الذي تقوم به السفينة، والبوصي: السفينة فارسي معرب، ويروى: سكان نوتي، والنوتي الملاح.
وقال مصعد لأنه يعالج الموج، أي [مسموح] مجرى الماء.
وروى أبو عبيدة لسكان نوتي.

وجمجمة مثل الـعـلاة كـأنـمـا

 

وعى الملتقى منها إلى حرف مبرد

الجمجمة: الهامة، العلاة: سندان الحداد، شبه جمجمتها بها لصلابتها. وأصل الجمجمة: عظام الرأس. ووعى اجتمع، وانضم، ويقال وعى عظمه، إذا جبر وتماسك، ولا وعى عن ذلك أي لا تماسك.
والملتقى: ملتقى كل قبيلتين من قبائل الرأس، وإنما أراد صلابتها، كأنه يلتئم كله كالتئام المبرد.
يقول هذه الجمجمة كأنها قطعة واحدة في التئامها وخص المبرد للحزوز التي فيه فيقول فيها نتوء غير مرتفع.

وخذ كقرطاس الشآمي ومشفر

 

كسبت اليماني قده لم يجـرد

ويروى ووجه. شبه بياض خدها ببياض القرطاس قبل أن يكتب فيه. قيل: إنه عتيق لا شعر عليه، والشعر في الخد هجنة، والمراد أنه جعله كالقرطاس لنقائه، وقصر شعره.
والمشفر من البعير، كالشفة من الإنسان، والسبت جلود البقر، إذا دبغت بالقرظ، فإن لم يدبغ بالقرظ فليس بالسبت. وإنما أراد مشافرها طوال كأنها نعال السبت، وذلك مما يمدح به وخص السبت به للينه، وقوله لم يجرد أي لم يعوج، فهي إذن شابة فتية وذلك أن الهرمة، والهرم تميل مشافرها، وروي لم يحرد بالحاء، والقد مصدر قددته.

وعينان كالماويتين اسـتـكـنـتـا

 

بكهفي حجاجي صخرة قلت مورد

شبه عينيها بالماويتين لصفائهما، والماويتان: المرآتان، واستكنتا حلتا في كن، والكن غار في الجبل، وهو هنا غار العين الذي فيه مقلتاها؛ والحجاج العظم المشرف على العين، الذي ينبت عليه شعر الحاجب، والقلت: الثغرة في الجبل يستنقع فيها الماء مؤنثة، وجمعها قلات، وقوله قلت مورد بدل من صخرة، وإذا كانت كصخرة في ماء كان أصلب لها، والمراد أن صفاء عينيها كصفاء ماء القلت.
وقوله مورد: أراد أن المطر يرده.

طحوران عوار القذى، فتراهما

 

كمكحولتي مذعورة أم فرقد

طحوران: دفوعان، يقال دحره وطحره أي دفعه، وطحرت العين القذى: إذا ألقته عنها. والعوار والعاير ما أفسد العين من الرمد، فيقول: عينها صحيحة، لا قذى فيها، كأنها قد طحرته، وقوله كمكحولتي مذعورة يريد كعيني بقرة مذعورة لفقدها ولدها، وإذا كانت مذعورة مطفلا كان احد لنظرها.

وصادقنا سمع التوجس للسرى

 

لهجس خفي أو لصوت مندد

 يعني أن أذنيها لا تكذبها، إذا سمعت النبأة، والتوجس: التسمع بحذر، والهجس الصوت الخفي. وقوله للسرى أي في السرى أو عند السرى، يقال سرى وأسرى إذا سار بالليل، وقيل للنهر سرى، سمي بهذا لأن النهر يسري فيه الماء، قال المبرد خص النهر بهذا الاسم من قولهم خير المال عين ساهرة لعين نائمة أي لا تنام وإن نمت عنها.
ويروى لصوت مندد بالإضافة، والمندد الذي يرفع صوته والرواية الجيدة لصوت مندد والمندد: صفة الصوت.

مؤللتان، تعرف العتق فيهما

 

كسامعتي شاة بحومل مفرد

المؤلل: المحدد كتحديد الآلة، وهي الحربة، والعتق، الكرم، ويريد به هنا الحسن والنقاء، ويريد بالشاة هنا الثور الوحشي، يقال مفرد بلا هاء، لأنه أراد الثور الوحشي وإذا كان مفردا كان أسمع لأنه ليس معه ما يشغله، وقيل العتق ألا يكون في داخلها وبر، يكون أجود وكذلك آذان الوحش.

وأروع نباض أحـذ مـلـمـلـم

 

كمرادة صخر من صفيح مصمد

وأروع نباض: يعني قلبها: وهو الحديد السريع الارتياع، ونباض: ينبض: أي يضرب من الفزع. والأحذ: الأملس الذي ليس له شيء متعلق به.
وقال أبو عمرو هو الخفيف، وقال ابن الأعرابي الأحذ الذكي الخفيف، وململم: مجمع، وقولهم للشعر لمة من هذا، وألمم بنا: أي ادخل في جماعتنا. وبنو تميم يقولون لم بنا وقوله [عز وجل] (الذين يجتنبون كبير الإثم والفوحش إلا اللمم) في معظم الشيء، وليس في الكلام دليل على أنه أباح اللمم لأنه استثناء ليس من الأول وهو مثل قوله: (وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف) فليس فيه دليل على أنه أباح ما قد [سلف] وإنما المعنى ولكن ما قد سلف فإن الله يعفو عنه وكذلك قوله تعالى (وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ) ولكن إن قتله خطأ فعليه أن يفعل ما أمر به.
وقولهم: لم الله شعثك، ففيه قولان: أحدهما أن المعنى جمع الله متفرقك والثاني قول المبرد إن المعنى جمع الله ما يزيل الشعث عنك.
والمرادة: صخرة يدق بها الصخور ملء الكف، والمرادة من صخر، والصفيح من الحجارة العريضة، والمصمد الصلب الذي فيه خور.

وإن شئت سامى واسط الكور رأسها

 

وعامت بضبعيها نجاء الخـفـيدد

سامى: عالى، واسط الكوز: العود الذي بين موركة الرحل ومؤخره، والمؤخرة آخر الرحل، والموركة الموضع الذي يضع عليه الراكب رحله، وقيل الموركة مهاد يمهده الرجل لرحله إلى جانب الواسط أسفل منه. فإذا أعيا من الغرز نزع رجله منه، وجعلها على الموركة، وقيل الواسط كالقربوس للفرس، وعامت: سبحت، والضبع: العضد، والنجاء السرعة، والخفيدد الظليم وهو ذكر النعام.

وإن شئت لم ترقل وإن شئت أرقلت

 

مخافة ملوي من القد محـصـد

الارقال: دون العدو وفوق السير، والملوي: السوط، والاحصاد الإحكام والتوثيق والمحصد المحكم، ومخافة منصوب لأنه مفعول من أجله، وإن شئت كان مصدرا.

وأعلم مخروت من الأنف مـارن

 

عتيق متى ترجم به الأرض تردد

أراد بالأعلم مشفرها، والإبل كلها علم، والعلم شق في الشفة العليا، فإن كان في السفلى قيل له أفلح. والمخروت المشقوق، وخرت كل شيء: شقه ونقبه والمارن اللين، وقوله: متى ترجم به الأرض إذا أدنت رأسها من الأرض في سيرها فذلك رجمها إياها يقول إذا أوطأت رأسها إلى الأرض ازدادا سيرا.

[إذا أقبلت قالوا تأخر رحـلـهـا

 

وإن أدبرت قالوا تقدم فـاشـدد

وتضحي الجبال الحمر خلفي كأنها

 

من البعد حفت بالملاء المعضد

وتشرب بالقعب الصغير، وإن تقذ

 

بمشفرها يوما إلى الليل تنقـد]

على مثلها أمضي إذا قال صاحبي

 

ألا ليتني أفديك منها وأفـتـدي

أي على مثل هذه الناقة أسير وأمضي، إذا قال صاحبي من خوف الفلاة وقوله ألا ليتني أفديك معناه من الفلاة فجاء بمكينها ولم يجر لها ذكر لدلالة المعنى عليها كقوله [تعالى] (حتى توارت بالحجاب) وقوله أفديك منها: أي أعطيك فداءك وتنجو، أو أفتدي أنا منها. وقيل معناه ليتني أقدر أن أفديك منها وأفتدي نفسي. وعلى تتعلق بما مضى، وكذلك إذا.

وجاشت إليه النفس خوفـا وخـالـه

 

مصابا ولو أمسى على غير مرصد

 جاشت: ارتفعت إليه من الخوف، ولم تستقر، كما يجيش القدر، إذا ارتفع عليانه، وقوله إليه: أي صاحبه، وقوله وخاله أي خال نفسه. وإنما جاز أن يقال خاله مصابا، ولم يجز ضربه إذا أردت ضرب نفسه على مذهب سيبويه. أنهم استغنوا عن ضرب نفسه، بقولهم ضرب نفسه، والذي يذهب إليه أبو العباس أنه لم يجز ضربه لئلا يكون فاعلا مفعولا في حال وجاز خاله لأن الفاعل في المعنى مفعول لأنه إنما رأى شيئا فأظنه. وقوله: على غير مرصد: أي ولو أمسى لا يرصد، ولا يخاف من أحد لظن أنه هالك من العطش لهول المفازة أي فأنا أنجو منها على ناقتي.

إذا القوم قالوا: من فتى؟ خلت أنني

 

عنيت فلم أكسل ولـم أتـبـلـد

يقول: إذا قالوا من فتى لهذه المفازة؟ خلت أنهم يعنونني، ويقولون ليس لها غيره، فلم أكسل عن أن أقول: أنا لها ولم أتبلد عن سلوكها. يقال رجل بليد، ومتبلد؛ إذا أثر فيه الجهل كي يذهب به عن فطن الناس واحتيالهم، وكذا يقال في الدواب، وأصل البلادة والتبلد من التأثير، يقال في جلده بلد إذا كان فيه أثر، وكذلك في غير الجلد، ويقال لكركرة البعير بلدة لأنها تؤثر في الأرض، أو تؤثر فيها الأرض قال الشاعر.

أنيخت فألقت بلدة فوق بلـدة

 

قليل بها الأصوات إلا بغامها

وبهذا سميت البلدة بلدة لأنه موضع مواطن وتأثيرهم، وعنيت من قولهم عني ويعني عنيا بمعنى أراد، وليس يعنيني بهذا أي لا يريده، والمعنى هو المراد والجمع المعاني.
ويروى فلم أكل ولم أتبلد أي فلم أكل إلى إجابتهم أقول: أنا لها، ولم أتبلد أي لم أكن بليدا في مثلها لأني خبير بها.

أحلت عليها بالقطيع فأجذمت

 

وقد خب آل الأمعز المتوقد

أحلت: أي رفعت والقطيع: السوط أي أقبلت عليها بالسوط، يقال: أحلت عليه ضربا إذا أقبلت عليه تضربه ضربا في أثر ضرب أو على ضرب ومنه قولهم يحيلون السجال على السجال أي يصبون دلوا على أثر دلو، وأجذمت أسرعت، وخب الآل جرى، واضطراب السراب، والآل يكون بالغداة، والعشي، والأمعز، والمعزاء، الموضع الغليظ الكثير الحصى، والمتوقد: المكان الذي يتوقد بالحر، والواو في قولهم وقد خب الواو واو الحال.

فذالت كما ذالت وليدة مجلس

 

تري ربها أذيال سحل ممدد

ذالت: ماست، وتبخرت في مشيها. يقول: تتبختر هذه الناقة في مشيتها كما تتبختر وليدة أي أمة عرضت على أهل مجلس، فأرخت ثوبها، واهتزت بأعطافها، وخص وليدة المجلس يريد أنها ليست بممتهنة، وإذا شئت جرت في الأرض أذيالها، والسحل بالسين والحاء المهملتين: الثوب الأبيض والممدد الذي ينجر في الأرض، ومعنى البيت: إني أبلغ على هذه الناقة حاجتي بأقل تعب.

ولست بحلال التلاع مـخـافة

 

ولكن متى يسترفد القوم أرفد

الحلال: مبالغة من الحلول، والتلعة ما ارتفع من الأرض، وانخفض عن الجبال أو قرب من الأرض، والجمع التلاع: وهي مجاري المياه من رؤوس الجبال إلى الأودية.
المعنى: لست أستتر في التلاع لأني لا أنزلها مخافة أن تواريني عن الناس حتى لا يراني ابن السبيل والضيف، ولكن أنزل الفضاء، وأرفد من السهل من استرفدني، وأعين من استعانني، ومخافة منصوب على أنه مفعول له أو على المصدر.

وإن تبعني في حلقة القوم تلقـنـي

 

وإن تقتنصني في الحوانيت تضطد

يقول: إن تطلبني في مواضع تجمع فيها الناس للمشورة وإجالة الرأي تلقني لما عندي من الرأي لا أتخلف عنهم وإن تطلب صيدي في حوانيت الخمارين تجدني أشرب وأسقي من يحضرني، والحانوت يذكر ويؤنث. والحوانيت [بيوت] الخمارين، والحوانيت أيضا الخمارون، ويروى تلتمسني.

متى تأتني أصبحك كـأسـا روية

 

وإن كنت عنها غانيا فاغن وازدد

ويروى وإن تأتني، ويروى وإن كنت ذا غنى فاستغن وازدد والصبوح شرب الغداة، والكأس مؤنثة، والمعنى متى تأتني تجدني قد أخذت خمرا كثيرا مروية لمن يحضرني، ومعنى فاغن وازدد: فاغن بما عندك وازدد.

وإن يلتق الحي الجميع تلاقنـي

 

إلى ذروة البيت الرفيع المصمد

يقول إذا التقى الحي الجميع الذين كانوا متفرقين للمفاخرة وذكر المعالي تجدني في الشرف، وإلى ذروة أي مع ذروة، وذروة كل شيء أعلاه، والمصمد الذي يصمد إليه في الحوائج والأمور أي يقصد.

نداماي بيض كالنجوم وقـينة

 

تروح علينا بين برد ومجسد

 نداماي بيض الوجوه ويروى ألفنا الندامي [كالنجوم] الأصحاب الذين يتواصلون على الشرب يقال فلان نديم فلان، إذا شاربه، وفلان نديمه فلان، ويقال ذلك إذا صاحبه، وحدثه، وإن لم يكونا على شراب وإنما سمي النديم نديما لندامة جذيمة حينما قتل جذيمة مالكا وعقيلا للذين أتياه بعمرو ابن أخته، فسألاه أن يكونا في سمره، فوجد عليهما فقتلهما. ثم ندم فسمى كل شارب نديما، ويقال من الندم ندمان وندمى، وقيل الأصل فيهما واحد لأنه إنما قيل للمتواصلين ندامى؛ لأنهم يجتمعون على ما يندم عليه من إتلاف المال، وقوله كالنجوم أي هم أعلام، والقينة: الأمة مغنية كانت غير مغنية، وإنما قيل لها: قينة لأنها تعمل بيدها مع غنائها والعرب تقول لكل من يصنع بيده شيئا قين.
وقال أبو عبيدة القينات: الإماء المديدات وقال الأصمعي: كل عامل بحديدة قين والفعل منه قان يقين قينا فهو قاين، والمفعول مقين. والمجسد المصبوغ بالزعفران خاصة؛ لأنه يقال للزعفران جساد، والمجسد الثوب المصبوغ الذي قد يبس عليه الصباغ، ويقال جسد الدم إذا يبس عليه، ومعنى قوله بين برد مجسد أي عليها مجسد وقيل: معناه مرة تأتي وعليها المجسد، والمجسد أيضا الذي يلي الجسد من الثياب، وقيل في الذي يلي الجسد مجسدا بكسر الميم.

إذا رجعت في صوتها خلت صوتها

 

تجاوب اظآر علـى ربـع ردي

رحيب قطاب الجيب منها رفـيقة

 

بجسى الندامى بضة المتـجـرد

ويروى رحيب قطاب الجيب، وقطاب الجيب: مجتمع الجيب، قطب أي جمع وقطب ما بين عينيه: أي جمع وجاء الناس قاطبة أي جميعا، وجس الندامى: الجس والمس واحد، وجس الندامى: أن يجسوا بأيديهم يلمسونها كما قال الأعشى

[ورادعة بالمسك صفراء عندنـا]

 

لجس الندامى في يد الدرع مفتق

وذلك أن القينة تفتق كمها إلى الرفغ فإذا أراد الرجل أن يلمس منها شيئا أدخل يده فلمس، ويد الدرع كمه. وقال بعضهم: "تجس الندامى" مما يطلب الندامى اقترابها وعناقها، والجس بمعنى الطلب وقطاب يرتقع برحيب، ومعنى قوله: رحيب قطاب الجيب أن عنقها واسع فتحتاج إلى أن يكون جيبها واسعا، والبضة البيضاء الرخصة والمتجرد جسدها المتجرد من الثياب.

إذا نحن قلنا أسمعينا انبرت لنا

 

على رسلها مطروفة لم تشدد

ويروى مطروقة: بالقاف، اسمعينا: غنينا، وانبرت: اعترضت. وعلى رسلها أي على هيئتها، أي ترنمت برفق، وقيل انبرت: قصدت إلى ما أردناه منها، ومطروفة بالفاء، ومعناه ساكنة الطرف فاترته، كأنها طرفت عن كل شيء تنظر إليه. وقيل التي عينها إلى الرجال. ومن رواه مطروقة بالقاف فمعناه مسترخية أي غضيضة الطرف. وقيل: مسترخية لينة، ومنه سميت المطرقة: مطرقة، لأنها تلين ما يليها. ومنه قيل طراق لأنه يلين، ومنه ماء طرق: إذا خيض ومنه سمي الطراق لأن الناس فيهم من يفعل ذلك، وانبرت جواب إذا وهو العامل فيه، ومطروفة منصوب على الحال.

وما زال تشرابي الخمور، ولذتي

 

وبيعي، وإنفاقي طريفي ومتلدي

تشراب: تفعال من الشرب إلا أن تشرابا يكون للكثير، والشرب يقع للقليل والكثير.
وليس في كلام العرب اسم على تفعال بكسر التاء إلا أربعة أسماء، والخامس مختلف فيه، يقال تبيان، ويقال للقلادة تفصار. وتعشار، وتبراك موضعان والخامس المختلف فيه تمساح وتمسح، وتمساح أكثر وأفصح، والطارف والطريف ما استحدثه الرجل، واكتسبه والمتلد والتالد والتليد، والتلاد ما ورثه عن آبائه ومعناه المتولد والتاء بدل من الواو.

إلى أن تحامتني العشيرة كلها

 

وأفردت إفراد البعير المعبد

تحامتني: تركتني، واتقتني، العشيرة: أهل بيته، ويدخل فيهم غيرهم ممن خالطهم، وأفردت إفرادا مثل إفراد البعير، والمعبد: الأجرب وقيل هو المهنوء الذي سقط وبره، فأفرد عن الإبل. أي تركت ولذاتي لما رأت أني لا أكف عن إتلاف المال والاشتغال باللذات.

رأيت بني غبراء لا ينكروننـي

 

ولا أهل هذاك الطراف الممدد

 الغبراء: الأرض، وبنو غبراء: الفقراء، وتدخل فيهم الأضياف، والمعنى أنهم يجيئون من حيث لا يحتسبون، وأهل مرفوع معطوف على الضمير الذي في ينكرونني وقال الله تعالى (سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا)، والطراف قبة من أدم يتخذها المياسير، والأغنياء، والممدد الذي قد مد بالأطناب، والطراف لفظه لفظ الواحد، ومعناه معنى الجمع.
ومعنى البيت أنه يخبر أن الفقراء يعرفونه لأنه يعطيهم، والأغنياء يعرفونه لجلالته.

ألا أيهذا اللائمي أحضر الـوغـى

 

وأن شهدت اللذات هل أنت مخلدي

ويروى: ألا أيها اللاحي أن أحضر الوغى، واللاحي: اللايم، لحاه يلحوه ويلحاه إذا لامه. ويروى ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى على إضمار أن، وهذا عند البصريين خطأ لأنه أضمر ما لا يتصرف، وأعمله فكأنه قد أضمر بعض الاسم، والزاجر الناهي.
ومن رواه بالرفع فهو على تقديرين أحدهما أن يكون تقديره: أن أحضر فلما حذف أن رفع. ومثله على مذهب سيبويه قوله [تعالى] (أفغير الله تأمروني أعبد) المعنى عنده أن أعبد.
والقول [الآخر] في رفع أحضر وهو قول أبي العباس أن يكون في موضع الحال، ويكون وأن أشهد معطوف على المعنى لأنه لما قال أحضر: دل على الحضور كما تقول من كذب كان شرا له، أي كان الكذب شرا له، وقوله أحضر مفرد دل على الصحيح.
وقوله هل أنت مخلدي؟ أي هل أنت مبقيني؟ ومعنى البيت ألا أيهذا اللائمي في حضور الحرب لئلا أقتل وفي إنفاق مالي لئلا افتقر، ما أنت مخلدي إن قبلت منك، فدعني أنفق مالي ولا أخلفه.

فإن كنت لا تسطيع دفع منيتي

 

فدعني أبادرها بما ملكت يدي

أي فدعني ولذتي من قبل أن يأتيني الموت، وقيل معناه أبادر المنية بإنفاق ما ملكت يدي في لذاتي، وتسطيع بمعنى تستطيع فأسقط التاء.

فلولا ثلاث هن من عيشة الفتى

 

وحقك لم أحفل متى قام عودي

وحقك قبل معناه: ونفسك، وقيل وأبيك، ولم أحفل: أي لم أبال، وعود جمع عائد من يحضره عند مرضه وموته ويبكي عليه أي لم أبال متى بنت.

فمنهن سبق العاذلات بـشـربة

 

كميت متى ما تعل بالماء تزبد

ويروى سبقي، والكميت الخمر التي تضرب إلى السواد، تعل تمزج به. بريد أنهاعتيقة.

وكري إذا نادى المضاف محنبا

 

كسيد الغضا نبهته المتـورد

كري: عطفي، والمضاف الذي قد أضافته الهموم، والمحنب: الغر الناتئ العظام، وإن شئت قلت فرس أقنى العظام، والسيد الذئب والغضا: شجر ذبابه أخبث الذباب، ونبهته: هيجته، والمتورد: الذي يطنب الورد، ومحنبا منصوب بكري والمعنى كري فرسا محنبا والكاف من قوله كسيد الغضا في موضع نصب لأنها من نعت المحنب.

وتقصير يوم الدجن والدجن معجب

 

ببهكنة تحت الطراف المعـمـد

الدجن: الندى أو المطر الخفيف، وقيل هو إلباس الغيم السماء، وإن لم يكن مطرا يقول أقصره باللهو، ويوم اللهو وليلته قصيران.
وقوله، والدجن معجب: أي يعجب من رآه، والبهكنة التامة الخلق، ويروى هيكلة والهيكلة العظمية الألواح والعجيزتين، والفخذين، ويروى تحت الخباء، وهو بيت من شعر أو أدم، والمعمد الذي له أعمدة.

كأن البرين والدماليج علـقـت

 

على عشر أو خروع لم يخضد

البرين: الخلاخيل واحدتها برة، والعشر شجر أملس مستو ضعيف العود. شبه عظامها وذراعيها به لملاسته، واستوائه وكل ناعم خروع. لم يخضد: لم يثن يقال خضدت العود أخضده خضدا؛ إذا أثنيته لتكسره وفي برين لغات من العرب من يجعل إعرابه في النون، ومنهم من يجعله بمنزلة مسلمين والدماليج جمع دملج، وكان يجب أن يقول دمالج، فيجوز أن يكون جمعا على غير واحد، ويجوز أن يكون أشبع الكسرة فتولد منها ياء، ويجوز أن يكون بناؤه على دملوج وهو الوجه.

فذرني أروي هامتي في حياتها

 

مخافة شرب في الحياة مصرد

الشرب بكسر الشين وبالضم اسمان للمشروب، والشرب بالفتح مصدر، وقد تكون الثلاثة مصدرا، والمصرد: المقلل والمنغص.

كريم يروي نفسه في حـياتـه

 

ستعلم إن متنا غدا أينا الصدي؟

 ويروى إذا متنا صدى أي عطشا، والصدي العطشان، ويروى صدى بفتح الصاد ويروى صدا، والمراد بالصدي في هذه الرواية، ما كانت العرب تزعمه في الجاهلية: إن الرجل إذا قتل، ولم يدرك بثأره، خرج من رأسه طائر يشبه البوم، فيصيح اسقوني، فإذا أخذ بثأره سكن، والصدى في هذا قالوا بدن الميت، والصوت الذي يسمعه من ناحية الجبل ونحوه.
وذكر البوم، ويقال له هو صدي مال أي الذي يقوم به، وقوله يروي نفسه أي من الخمر ثم حذف ليعلم المخاطب، ومن روى صدى بالإضافة أراد الصدى أينا العطشان والصدى أيضا حشوة الرأس، وكانوا في الجاهلية يقولون إذا مات الميت خرجت من قبره هامة تزقو عليه، وكانوا يسمون الصوت الصدى، فأبطل ذلك الإسلام، فقال عليه السلام: لا عدوى ولا هامة ولا صفر.

أرى قبر نحام بخيل بمـالـه

 

كقبر غوي في البطالة مفسد

النحام: الزحار عند السؤال؛ البخيل. يقول هذا الشحيح بماله، عند أداء الحق وعند السؤال، وعند لذاته، وهذا المبذر لماله في قضاء حقوقه، وحقوق أصحابه، واستمتاعه بلذاته، وفضله على من ينفق عليه يصيران إلى الموت، فلا ينتفع الشحيح بماله ولا يضر هذا ما أنفقه في أوطاره، والغوي الجاهل والغوي الذي يتبع هواه، ولذاته.

ترى حثومتين من تراب عليهما

 

صفائح صم من صفيح منضد

والجثوة التراب المجموع، يقال للرجل: إنما هو جثوة اليوم أو غد، ويقال لكل مجتمع جثوة، والجمع جثي. وفي الحديث (من دعاء دعاء الجاهلية فإنه من جثى جهنم) أي من جماعات جهنم.
ويروى من جثي وهو جامع جاث، والصفائح صخور عريضة رقاق، الصم: المصمتة والمنضد الذي نضد بعضه على بعض.

أرى الموت يعتام الكرام ويصطفي

 

عقيلة مال الفاحش المـتـشـدد

يعتام: يختار، يقال اعتامه، واعتماه إذا اختاره كل من خيرته، وأنفسه عند أهله. ويروى يغتام الكرام، يقال أخذت غيمة ماله أي خياره. ويصطفي: يختار صفوته، والفاحش القبيح السيئ الخلق، والمتشدد: البخيل وكذلك الشديد قال الله تعالى (وإنه لحب الخير الشديد) قال أبو العباس إنه من أجل حب المال لبخيل.

[أرى الموت أعداد النفوس، ولا أرى

 

بعيدا غدا ما أقرب اليوم من غد؟]

أرى الدهر كنزا ناقصا كـل لـيلة

 

وما تنقص الأيام والدهـر ينـفـد

أراد أهل الدهر، ويروى أرى العيش، وأرى العمر.
والكنز ما حفظ وقوله، وما تنقص الأيام أي ما تنقصه الأيام ينفد.

لعمرك إن الموت ما أخطأ الفتى

 

لكالطول المرخى وثنياه بالـيد

العمر والعمر والعمر، ولا يستعمل في القسم إلا بفتح العين والطول الحبل، وثنياه ما ثني منه، ويقال طرفاه؛ لأنهما يثنيان.
أي إن عمره بمنزلة حبل ربطت به دابة يطول لها في الكلأ حتى ترعاه، فيقول الإنسان: قد مد له في أجله، وهو آتية لا محالة.
وهو في يدي من يملك قبض روحه كما أن صاحب الفرس الذي قد طول له إذا شاء جذبه.
وموضع ما نصب في تقدير المصدر.

متى ما يشأ يوما يقده لحتفـه

 

ومن يك في حبل المنية ينقد

فما لي أراني وابن عمي مالكا

 

متى أدن منه ينأ عني ويبعد

إي إذا أردت وده ودنوه تباعد عني، والنأي والبعد معناهما واحد وإنما جاء بهما لأن اللفظتين مختلفتان، وإنما المعنى يبعد بعد ذلك البعد بعدا آخر.

يلوم وما أدري عـلام يلـومـنـي

 

كما لامني في الحي قرط بن أعبد

قرط رجل لامه على ما يجب أن يلام عليه ويردى ابن معبد.

وآيسني من كل خير طلبـتـه

 

كأنا وضعناه إلى رمس ملحد

ويروى وأيأسني... على رمس ملحد.
أي جعلني ذا يأس من كل خير فهو بمنزلة الموتى، إذ كان لا يرجى منهم خير، والرمس: القبر، الملحد: اللحد.

على غير ذنب قلته غير أنني

 

نشدت فلم أعقل حمولة معبد

معبد أخو طرفة؛ قال ابن الأعرابي كان لطرفة ولأخيه إبل يرعيانها يوما ويوما، فلما أغبها طرفة، قال له أخوه معبد: لم لا تسرح في إبلك كأنك ترى أنها إن أخذت يردها شعرك هذا؟ قال فإني لا أخرج فيها أبدا حتى تعلم أن شعري سيردها إن أخذت. فتركها، فأخذها عامر بن مضر فادعى جوار عمرو وقابوس، ورجل من اليمن يقال له بشر بن قيس فقال في ذلك طرفة: أعمرو بن هند ما ترى رأي صرمة؟ وقال غيره: هذه إبل ضاعت لمعبد، فسأل طرفة ابن عمه مالكا أن يعينه في طلبها.
 وقوله: فلم أعقل، أراد نشدت حمولة معبد فلم أعقل، وأعمل الفعل الثاني، ولو أعمل الأول لقال فلم أعقلها.
ويروى فلم أغفل حمولة معبد أي فلم أغفل عن ذلك.
يقول: لامني على غير ذنب كل مني إليه إلا أنني طلبت حمولة معبد وغير منصوبة على الاستثناء؛ وهو استثناء ليس من الأول، وعلى متعلقه بلامني ويحتمل أن تكون متعلقة بأيأسني.

وقربت بالقربى وجدك أنني

 

متى يك أمر للنكيثة أشهد

أي أدللت على مالك بالقرابة والنكيثة بلوغ الجهد، ويقال النكيثة شدة النفس، بتعت نكثة البعير: إذا أجهدته في السير، فلم يبق من سيره شيء، وقوله: وجدك أي وحظك يخاطب مالكا ويقول: أذللت بما بيني وبينك من القرابة. وحلف أنه متى يك أمر للنكيثة يشهد ذلك الأمر، ويعينه على حضوره، ويروى وجدك إنه والهاء للأمر والشأن.